مرحبا

آراء وانطباعات

آراء وانطباعات عن الدكتور بوعبد الله غلام الله 

الشَّيْخُ بُوعَبِد اللَّهِ غُلامُ اللَّهِ كَمَا عَرَفْتُهُ

سَمِعْتُ عَنْ الشَّيْخِ بُوعْبِد اللَّهِ غُلامَ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ أَلْقَاهُ وَأَتَعَرَّفُ إِلَيْهُ عَنْ قُرْبٍ، حَيْثُ حَدَّثَنِي د. عَبْدُ اللّاوي مُحَمَّد عَنْهُ، حِينَ كَانَ الشَّيْخُ مُفَتِّشًا لِمادَّةِ الفَلْسَفَةِ، قَالَ لِي: “لَقَدْ قَدَّمَ خِدْمَةً عَظيمَةً لِمادَّةِ الفَلْسَفَةِ، وَكَانَ رَجُلًا شَهْمًا فِي تَعامُلِهِ مَعَ أَساتِذَةِ المادَّةِ، لَمْ نَكُنْ نَخْشاهُ مِثْلَ بَعْضِ المُفَتِّشِينَ اَلَّذِينَ اشْتُهِروا بِالشِّدَّةِ حَدَّ القَساوَةِ، لَقَدْ كَانَ رَجُلًا سَمْحَا، يَنْصَحُ بِلُطْفٍ، وَيَنْتَقِدُ بِأَدَبٍ. ”

لَقَدْ انْطَبَعَتْ فِي ذِهْني تِلْكَ الصّورَةُ الجَميلَةُ عَنْهُ، عَلَى الرَّغْمِ أَنِّي اسْتَغْرَبُتْ أَنْ يَكونَ شَيْخُ زَاويَة آنَذَاكَ أُسْتَاذًا لِلْفَلْسَفَةِ، وَكُلُّنَا يَعْلَمُ أَنَّ الفَلْسَفَةَ اِقْتَرَنَتْ فِي المِخْيَالِ الشَّعْبيِّ بِأَوْصافٍ وَأَلْقابٍ قادِحَةٍ وَمُشينَةٍ.

وَشَاءَتْ الأَقْدارُ أَنْ أَلْتَقِيَ بِهِ بِأَحَدِ المُلْتَقَياتِ حِينَ كَانَ وَزِيرًا لِلشُّؤُونِ الدّينيَّةِ وَالأَوْقَافِ، فَتَيَقَّنَتْ خِلالَ كَلِمَتِهِ أَنَّهُ مُحِبٌّ لِلْفَلْسَفَةِ، مُبَحَّرٌ فِي أَغْوَارِهَا، مُتيَّمٌ بِروحِها، وَمُتَمَسِّكٌ بِنَهْجِها النَّقْديِّ، حَيْثُ يُقَدِّمُها بِبَسَاطَةٍ دُونَ تَعْقيدٍ، وَبِكَلِماتٍ واضِحَةٍ دُونَ حَشْوٍ أَوْ لَغْوٍ، وَبِمَفاهيمَ مَرِنَةٍ قابِلَةٍ لِكُلِّ تَأْويلٍ . . . سَاعَتَهَا أَدْرَكَتْ أَنْ تَحْتَ العِمَّامَةِ يَكْمُنُ عَقْلٌ مُسْتَنيرٍ، وَتَحْتَ الجُبَّةِ يَنْبِضُ قَلْبٌ بَصيرٍ، وَحِينَ يَجْتَمِعُ العَقْلُ مَعَ القَلْبِ يَكونُ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ أَقْوَى مِمَّا تَرْسُمُهُ الْعَادَاتُ والْأَعْرافُ.

تَوَالَتْ النَّشاطاتُ والْمُلْتَقَياتُ العِلْميَّةُ اَلَّتِي كَانَتْ تُنَظِّمُهَا وِزارَةُ الشُّؤُونِ الدّينيَّةِ، وَلَا سِيَّمَا حِينَ تَوَلَّى أَد. بُوزِيدْ بِوَمَدينْ مَنْصِبَ مُديرِ الثَّقافَةِ، فَكَانَ الشَّيْخُ بُوعَبِدَ اللَّهِ كَعَادَتِهِ، يُلْقي كَلِمَتَهُ بِلُغَةٍ دينيَّةٍ وَفَلْسَفيَّةٍ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ مِشْكاةِ الإِسْلامِ وَنورِ العَقْلِ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ لِلنَّاسِ لَا تَناقُضَ بَيْنَ القَلْبِ والْعَقْلِ، وَأَنَّ الإِنْسانَ ليَشْقَى شَقاء مَريرًا إِنْ اسْتَغْنَى عَنْ أَحَدِهِمَا، وَأَنَّ شُروطَ الحَضارَةِ تَبْدَأُ بِفَوْرَةِ القَلْبِ، وَتَتَقَوَّى بِنَظْرَةِ العَقْلِ. وَأَنَّ الحَضارَةَ تَبْدَأُ بِاَلْأُفولِ حِينَ يَغيبُ أَحَدُ الشَرْطَيْنِ.

وَتَعَمَّقَتْ مَعْرِفَتِي بِهِ حِينَ أَصْبَحَتُ عُضْوًا بِالْمَجْلِسِ الإِسْلاميِّ الأَعْلَى، لَقَدْ عَرَفْتُهُ عَنْ قُرْبٍ، فَكَانَ رَجُلًا سَمَحَ الجانِبُ، طَيِّبُ اللِّسانِ، حُلْو اَلْمَعْشَرِ، عَذْبَ الحَديثُ، يَجْنَحُ لِلسِّلْمِ، مُحِبٌّ لِلشِّعْرِ، وَصاحِبُ دُعابَةٍ طَريفَةٍ وَظَّريفَةٍ . . . .

وَمِن أَهَمِّ اَلْمَواقِفِ اَلَّتِي سَجَّلَتْها، دِفاعُهُ المُسْتَميتُ عَنْ حُرّيَّةِ الرَّأْيِ والتَّعْبيرِ، وَاذْكُرْ أَنِّي كَتِبَتُ مَقَالًا عَنْ بِنْيَةِ الثَّوْرَةِ الِاجْتِهاديَّةِ بِمَجَلَّةِ اَلدِّراساتِ اَلْإِسْلاميَّةِ التّابِعَةِ لِلْمَجْلِسِ الإِسْلاميِّ الأَعْلَى، فَثَارَ بَعْضُ الأَعْضاءِ، وَاعْتَرَضُوا عَلَى بَعْضِ مُحْتَوَى المَقالِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى طَلَبِ سَحْبِ المَجَلَّةِ وَعَدَمِ تَوْزيعِها، بَيْدَ أَنَّ الشَّيْخَ غُلام اللَّهِ رَفْضَ بِقوَّةٍ، وَقَالَ: ” مِنْ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهُ، فَلْيَكْتُبْ، وَسَنَنْشُرُ مَقالَهُ بِالْعَدَدِ القادِمِ. ”

وَمِمَّا أَعْجَبَنِي فِي شَخْصِهِ الكَريمِ، دِفاعُهُ المُسْتَميت عَنْ اللُّغَةِ العَرَبيَّةِ، وَمُطالَبَتِهِ دَوْمًا بِالْكَفِّ عَنْ اسْتِعْمالِ اللُّغَةِ الفَرَنْسيَّةِ فِي الإِداراتِ والْمُؤَسَّساتِ العُموميَّةِ، حَيْثُ يُرَدِّدُ دَوْمًا عِبارَةُ مُحَمَّد البَشيرِ الإِبْراهيمي: ” خَرَجَتْ فَرَنْسَا، وَلَكِنْ لَا زَالَ لِسانُها حَاضِرًا فِينَا.”

وَأَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا، بِميزَةٍ أُخْرَى، تُبَيِّنُ مَدَى حِرْصِ الرَّجُلِ عَلَى أَنْ يَكونَ العَمَلُ المُنْجَزُ فِي مُسْتَوَى الجَوْدَةِ والْإِتْقانِ، حَيْثُ يَعْمَلُ عَلَى مُراجَعَةِ المَقَالَاتِ بِاللُّغَةِ العَرَبيَّةِ قَبْلَ نَشْرِها، مَعَ أَنَّهُ تَمَّتْ مُرَاجَعَتُهَا مِنْ قِبَلِ اَلْخُبَراءِ، وَالعَجِيبُ فِي الأَمْرِ دَوْمًا إِشارَتُهُ إِلَى أَخْطاءٍ وَهَنَّاتْ لَمْ يُدْرِكْها الخَبيرُ.

وَيَكْفيه شَرَفًا، أَنَّهُ جَعَلَ المَجْلِسَ الإِسْلاميَّ الأَعْلَى قِبْلَةً لِلْمُفَكِّرِينَ والْعُلَماءِ بِاخْتِلَافِ أَهْوائِهِمْ وَمَذاهِبِهِمْ، وَجَعَلَ مِعْيارَ الحُكْمِ عَلَى أَفْكارِهِمْ الحِوارَ والْمُناظَرَةَ. فَالْمَجْلِسُ الإِسْلاميُّ الأَعْلَى هَيْئَةٌ جامِعَةٌ، تَجَمُّعٌ وَلَا تُفَرِّقُ، دُونَ ذَوَبانٍ وَلَا مَيَعٍ، بَلْ بِصِدْقِ الطَّرْحِ، وَوُضوحِ النَّهْجِ، وَقوَّةُ الحُجَّةِ.

وَأَعْلَى مَراتِبِ الشاهِديَّةِ الحَضاريَّةِ لِلْمَجْلِسِ؛ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، الدَّعْوَةُ القَويمَةُ، والْإيمانُ بِاَلْمُشْتَرَكِ الإِسْلاميِّ والْإِنْسانيِّ.

أَطَالَ اللَّهُ فِي عُمْرِهِ، وَأَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْهُ إِحْسَانًا جَمِيلًا.

 

 

نحب أن نسمع منك

اتصل بنا

ولكن في المواضيع المتعلقة بـاختصاصاتنا

الشبكات الإجتماعية

إتصل إلينا من خلال

الموقع الرسمي للمجلس الإسلامي الأعلى
الموقع الرسمي للهيئة الشرعية الوطنية للإفتاء للصناعة المالية الإسلامية
إضغط على زر الإشتراك في قناة اليوتوب
Site Statistics
  • Visitors today : 2
  • Page views today : 2
  • Total visitors : 3,428
  • Total page view: 4,927